ابن قيم الجوزية
206
البدائع في علوم القرآن
الاستدلال في القرآن الكريم الاستدلال على اللّه تعالى بالآيات الأفقية والنفسية إن اللّه سبحانه أخبر - وخبره الصدق وقوله الحق - أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق « 1 » . فقال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] أي القرآن . فإنه هو المتقدم في قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ [ فصلت : 52 ] ثم قال : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت ] فشهد - سبحانه - لرسوله بقوله : أن ما جاء به حق ، ووعده أن يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا . ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل ، وهو شهادته - سبحانه - على كل شيء ، فإن من أسمائه « الشهيد » الذي لا يغيب عنه شيء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له ، عليم بتفاصيله . وهذا استدلال بأسمائه وصفاته ، والأول استدلال بقوله وكلماته ، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته . فإن قلت : قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته ، فبين لي كيفية الاستدلال بأسمائه وصفاته ، فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا ؟ . قلت : أجل هو لعمر اللّه كما ذكرت ، وشأنه أجل وأعلى ، فإن الرب تعالى هو المدلول عليه ، آياته هي الدليل والبرهان . فاعلم أن اللّه - سبحانه - في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته ، فهو الدليل « 2 » لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات ، وقد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل
--> ( 1 ) انظر ما كتبناه في المقدمة عن التفسير العلمي ، وإعجاز القرآن الكريم . ( 2 ) انظر تعليقنا الآتي على وصفه تعالى بالكمال .